بسم الله الرحمن الرحيم


حـجـر وعصفوريـن

قراءة في نص الخطاب
علي حسين فرج
 

ها هو عقد من الزمان يمر على رحيل الشهيد الخالد محمد الصدر"طاب ثراه" وما زال نفس السؤال المحرج يتكرر دون إجابة،(ما معنى ان يكون المرء صدريا؟؟!!!) ،رغم اعتراف الجميع،سياسيون ورجال دين وحتى المناوئين، بالزلزال الصدري، الذي اصاب المنظومة القيمية والاجتماعية والدينية للفرد العراقي، رغم ذلك، ما زال الجميع ينظرون بخجل من دون ان يتجرء احدهم عن التفوه باجابة مقنعة عن السؤال المحرج،بأسم الصدر أٌنعشت مرجعيات وأٌعلن عن الموت الجماهيري لمرجعيات دينية اخرى،وشكلت تيارات سياسية وحركات اجتماعية ومدارس دينية ومجاميع مسلحة وبرلمانيون ووزراء وفضائيات، واعتذر من اساء الفهم بالامس!!، ولكنهم باجمعهم صامتون، لا يحملون دماء الصدر العظيم ولا يفقهون معنى ان يكون المرء صدريا،وعذرا لمن شملهم الحديث ضلما،لكني وبعد مرور عشر سنوات،وهو عمر قصير نسبيا قياسا بحركة الصدر الكبيرة، احدق حزينا في صورة الصدر ولالته المكسورة،واخشى من ضياع الإرث الصدري،ارثنا نحن التواقين للحب والحرية ورفعة الدين،نحن الذين نحمل امانة ((سوف اموت وضميري مرتاح))،ونجلد انفسنا عزاءا على رحيل الصدر المباغت من غير ان يمهلنا القدر زمنا لبلوغ سن الرشد الفكري، كي نعرف عن بصيرة ووعي وبعيدا عن العاطفة وحب الاستطلاع والسير مع المخيال الجمعي ما معنى ان يكون المرء صدريا.
ارجو الا يفهم من كلامي ان الصدريين (وهم هنا كناية عن عشاق الصدر المرجع والقائد والفقيه) همج رعاع يرددون كلام الصدر دون وعي ،حاشا لله،لان الله اخفى اولياءه بين عباده ،وربما ينتفع احدهم من العبر والمواعظ وطرائف الحكم المبثوثة في ثنايا كلامه "رحمه الله"، ولكني ابحث عن شيئا اخر،عن الوشم الذي يميز المؤمنين بخط الراحل محمد الصدر عن المنتفعين،أصحاب القلوب الغلف والعقول الفارغة،والمترفين دون عناء،والذين يستغلون بشكل بشع اسم الصدر وعشق الجماهير له من اجل التكسّب والاستجداء والتسلط على رقاب الناس.
بعد طولا انتظار لعقد من الزمن،ورغم كثرة ما كتب عن الصدر ،معرفيا وفي حدود اطلاعي، لم يتكفل احد بالإجابة بشكل مقنع عن الشروط التي يمكن ان تحدد بشكل واضح من هم الصدريون وما هو امتدادهم الفقهي قبل وبعد رحيل الصدر،ولكن الوريقات المعنونة (معايير التقليد في المدرسة الصدرية) التي صاغها سماحة المرجع اليعقوبي "دام ظله" في الذكرى العاشرة لرحيل أستاذه الصدر،وعلى الرغم من اختصارها، يبدو انها مخصصة للإجابة عن السؤال الذي بدأنا به حديثنا ،فكانت الحجر الذي اصاب به عصفورين،الجماهير التي تبحث عن معنى ان يكون المرء صدريا والأصنام البشرية الزائفة ،"المتلفعين بعباءة القداسة المصطنعة ليحتجبوا بها عن عامة الناس، لأنهم لا ينظرون الى هؤلاء الناس إلا كهمج رعاع يقبّلون أيديهم ويدفعون إليهم أموالهم التي تضيع في فيافي بني سعد ، وليس لهم هم إلا مداراة مصالح الخاصة من ذوي النفوذ والمال والجاه، الذين يسميهم القرآن الكريم (الملأ)، والذين كانوا يقفون دوما ضد الحركات الرسالية الإصلاحية ولا يريدون للأمة أن تكون واعية بصيرة بالأمور لان ذلك يعني رفضها للتخلف والجهل والتكبر والاستئثار والامتيازات غير المنصفة للمستبدين))،لهؤلاء كانت ضربة الحجر قاسية ومؤلمة ، لان الحجر/الخطاب كان معبأ بالألم، ويحمل الشجن والعتب الكبير وربما التوبيخ الى كل الذين ركضوا خلف السراب فضيعوا فرصة الوصول دون عناء نحو (الواحة) التي أشار إليها الصدر قبل رحيله (بأنه ينبغي ان يمسك الحوزة بعدي)،الحوزة الناطقة "التي وضع أسسها الشهيد الصدر الأول (قد) وشاد أركانها الشهيد الصدر الثاني (قد) والتي تجسّد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في العصر الحاضر" ،وخوفا من ان يتحول العصفور الى صقر نتيجة الهالة المقدسة الزائفة التي يصنعها (الملأ)، كان الحجر الصدري الذي أطلقه الشيخ اليعقوبي بالمرصاد،ليذكر الموهومين بأنني انا من كتب لي الصدر"طاب ثراه" ذات يوم (أنت تعلم إنني كنت ولا زلت اعتبرك أفضل طلابي وأطيبهم قلبا وأكثرهم إنصافا للحق بحيث لو دار الأمر في يوم من الأيام المستقبلية بين عدة مرشحين للمرجعية ما عَدوتك لكي تبقى المرجعية في أيدي منصفين وقاضين لحوائج الآخرين لا بأيدي أناس قساة طالبين للدنيا) "وقد كان الصدر(قد) يؤكد على أتباعه للبحث عن صفتين في المرجع القائد ويدعو الى تحقيقهما بدرجة من الدرجات ويعتبرهما خلاصة وصايا الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) والعلماء الصالحين وهما طيبة القلب وقوة القلب"،ويوقظ النائمين الذين ابتلي بهم كابتلاء موسى"ع" بقومه،متقاعسين رغم إيمانهم،مهادنيين اكثر مما ينبغي،لم يتمكنوا من مجاراته في رحلته الشاقة صوب اصلاح المجتمع،كثيري الشك، لم يفهموا ( 5%) من مشروعه رغم انه يتلوا عليهم (الصحف) النادرة التي ورثها من الصدر، والتي لا توجد عند غيره ابدا (واكتفي عند هذا الوصف)، ويحذر الملأ والعصفور من الزحف صوب المدرسة الصدرية ومنجزاتها او السعي لتشويه معالمها و محاولة طمس اثارها ،ولأننا نعيش مثل هذه التحولات بسب هيمنة الملأ على مقدرات الأمة،فان الحجر جاء في الوقت المناسب تماما "ليفضح هذه العلاقة غير الشريفة التي يحصل من خلالها الملأ على مصالحهم وإدامة نفوذهم وشرعية استئثارهم، مقابل صنع الهالة المقدسة الزائفة لأصنامهم البشرية .. وإن سخط المترفون والمستأثرون".ان يكون المرء صدريا يجب ان يعي كل ذلك ،وإلا فان ضربة الحجر موجعة،ولا تعرف المداهنة او المجاملة .
ولان المدرسة الصدرية متجددة، تحاكي الزمن والمتغيرات،فلا يمكن ان يصيبها العطب،وخير شاهد بحث الخارج الذي يقدمه عميد المدرسة الصدرية في الوقت الراهن،محمد اليعقوبي،والذي تمكن من فتح الأسرار العتيقة بشكل يوازي التحولات المعرفية في زمن الثورة المعلوماتية الهائلة ،فعلى يديه اصبح درس الخارج مشاع للجميع فكرا ومعنى ومشاركة،واخذ يزاحم الكتب التي -فضلا عن زادها المعرفي- تقدم لغة رشيقة وأسلوب ممتع، غير متكلف وخالي من الاحجيات،فأخذ يحلل ما اختلف فيه الفقهاء بأسلوب علمي صارم، يذكرني بمنطق المظفر وطريقته في البرهان ،من خلال البحث في جذور الفقه المتمثل في الروايات التاسيسية، وتفكيكها الى موادها الخام(الالفاظ،وزمن النص،والقرائن،والسياق ،والرواة واحوالهم)،ومن ثم المرور بهدوء على ما قاله الاسلاف، مشيرا الى مناطق الخلل والعقد التي كانت السبب في عدم وضوح الرؤية، مستعينا بالمصاديق/الفؤوس التي يكسر بها اقفال النصوص الأثرية التي انتجها الاسلاف، والتي كانت حتى وقت قريب مكتسبة لدرجة الحجية.
لكي تكون صدريا يجب ان تمشي بمحاذات الزمن ،ولا تطيل النظر الى الخلف إلا لأخذ العبرة،لان (المستقبل هو المحرك للجماهير) بتعبير رائد المدرسة الصدرية الشهيد محمد باقر الصدر"قدس"،و(لا يريدون عيش الحاضر في وفاء صنمي للماضي) كما يقول نيتشه ،انهم في خط المواجهة الساخن لان الصدر (لم يكتف بالعموميات والأطر العامة، وإنما وضع النقاط على الحروف ...فلبس الكفن ونزل الى الميدان، ليخوض المواجهة مع الباطل وليقاوم الظلم والفساد والانحراف)،وقد اعاد الشيخ اليعقوبي فتح القضية مجددا من خلال الدعوة التي وجهها في ذكرى شهادة الزهراء"ع" بضرورة إحياء فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتذكير الصدريين ومن بعدهم كل المسلمين بواجبهم الشرعي والاخلاقي ،اضافة الى الواجب العرفي الذي فرضه الصدريون على انفسهم بانتسابهم للمدرسة الصدرية.
اذا كان الصدر فقيه " ثائر، مصلح، رافض للظلم والفساد، ساع الى تغييرهما، جاد في إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل ما توفرت لديه من وسائل لا تأخذه في الله لومة لائم،فان اليعقوبي فقيه"رسالي يتحرك بمشروع الإسلام (دوّار بطبه) على وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول الله (ص (ولا يقر له قرارا حتى يقيم دولة الحق والعدل او يختار الله تبارك وتعالى له دار البقاء"، اما الملأ فيبحثون عما يضمن لهم ترويض المجتمع وحفظ الامتيازات وذلك يستلزم بالضرورة ابعاد فقهاء (المدرسة الصدرية) وتقديم الاخرين، عندها ينحرف المجتمع وتنتشر الأوبئة الاجتماعية التي يصعب علاجها لاحقا ويصبح الفقيه وممارساته غريبة وكأنه جاء بدين جديد وقد حصل ذلك مع الشهيدين الصدرين لهذا يقول الشيخ اليعقوبي"ان الصدر"قدس" قدّم لنا فهما للحديث المشهور ( إن الإمام المهدي عليه السلام سيأتي بدين جديد وقرآن جديد) مع انه عليه السلام سوف لا يأتي بغير دين وقرآن جده المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم) ولكنه عليه السلام سيزيل الغبار المتراكم عن حقائق هذا الدين المودعة في القرآن الكريم وآثار المعصومين وسيقدم الفهم الصحيح لها بعد أن يعود الإسلام غريبا والقرآن مهجورا في أوساط عدد هائل من المتسمّين باسمه فيتراءى لهم وكأنه عليه السلام جاء بدين وقرآن جديدين ، فالسيد الشهيد الصدر (قد) لم يبتدع هذه المعايير ولم يضفها من عنده وإنما أعاد الحياة إليها ولفت الأنظار إليها بعد طول الهجران" ،ولكن حركة الشهيد الصدر تحمل من الافكار الجديد مما لم يتمكن تيار واسع من المجتمع استيعابه فضلا عن مجاراته، وكذلك حركة الشيخ اليعقوبي من بعده ،ولهذا لكي تكون صدريا لابد من الاستعداد الدائم للمتغيرات لان (الزلزال الصدري) له موجات ارتدادية تحدث كل حين،فأما ان تكون بمستوى التحديات والا فان الحجر سوف يصيبك لا محالة .
واخيرا وبعد ان اعلن اليعقوبي عن معايير المدرسة الصدرية وتبين ان الامتداد الفقهي لها الآن يتمثل به بالدرجة الاساس يفترض ان نعرف الإجابة عن معنى ان يكون المرء صدريا اما الانتماء الصوري والمهادنة ومجاملة الملأ والاسترخاء وعدم الإيمان بالواقع ومتغيراته فمرفوض في تلك المدرسة،ارجو ان تصل رسالتي خصوصا ونحن على أعتاب مرحلة تاريخية مهمة تتمثل بالانتخابات البرلمانية التي نأمل ان تشكل انعطافة في تاريخ العراق نأمل ذلك من الصدريين وتلك هي صفاتهم والعاقبة للمتقين.
والحمد لله رب العالمين
20/11/2009